السيد عثمان محمد عبدالقادر منفذ عملية تهريب عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعي السوداني

كان عثمان هو (حكمدار) الحرس المكلف بحراسة المرحوم عبد الخالق محجوب يوم أن إعتقله النميري بمصنع الذخيرة بالشجرة قبل إنقلاب هاشم العطا، وكان هو نفس الشخص الذي نفذ وأشرف على هروب عبد الخالق من المعتقل وهرب معه.

 

عثمان رجل ودود، دمث الأخلاق رفيع الثقافة بدأنا نستمع له عن قصة الهروب الأخير في جلسة إنتهت قرب بواكير الفجر. أحاول هنا أن أنقل بعضاً مما رواه.. جزء من الذاكرة والتفاصيل دونتها في حينها. يقول عثمان: (أُدخل إلينا عبد الخالق في مصنع الذخيرة بالشجرة كمعتقل سياسي بعد إعادته من منفاه بالقاهرة. كانت التعليمات متناقضة.. أن نشدد عليه الحراسة ولا نختلط به وأن نحترمه في نفس الوقت. تم تعييني (حكمداراً) للحرس المكلف به ولا أدري إن كانت صدفة أم أمراً مرتباً فقد كنت عضواً في خلية شيوعية عاملة بالجيش وهو أمر يحاط بسرية مطلقة. خصوصاً في تلك الأيام التي بدأت فيها بوادر الشقاق بين مايو والحزب الشيوعي. لم اكشف هويتي للرفيق عبد الخالق الذي تم إقتياده إلى غرفة أمامها (فرندة) أخليت له كمعتقل. كان يقضي جل أيامه في القراءة منذ الصباح وحتى آخر الليل خارج الغرفة. وذات يوم وصلتني تعليمات من الحزب بأن هناك خطة أُعدت لتهريب السكرتير العام للحزب من المعتقل وطُلب مني إبلاغه بالخطة وإستطلاع رأيه فيها. كانت الخطة السهل الممتنع إذ تقتضي بأن أقوم بفتح باب صغير- كان دوماً مغلقاً ومفاتيحه معي يطل من ناحية الغرب على النيل الأبيض ويجب أن أهرب أنا وعبد الخالق عبر هذا الباب وأن نسير بمحاذاة النيل شمالاً لمسافة تتجاوز الكيلو متر. هناك سوف نجد عربة فلوكسواجن بها شخصان تضئ أنوارها بطريقة معلومة حتى نتعرف عليها. إنتهزت سانحة ودخلت على عبد الخالق بعد الظهر وكشفت له هويتي الحزبية، ولدهشتي لم يستغرب أو يرتاب. شرحت له الخطة التي وصلتني من الحزب فوافق عليها دون تردد ولكن بدرت منه ملاحظة ذكية إذ طلب مني إرجاء العملية حتى يتم تعويد الحرس على عاداته اليومية الجديدة فقد أقلع عن القراءة إلى آخر الليل. ومن يوم حديثي معه أصبح يدخل إلى غرفته في الثامنة مساء ويطفئ النور ويغلق الباب. كان القصد عمل (إسترخاء) للحرس على هذه العادة الجديدة وكان هذا قمة الحصافة والدهاء.

 

جاء يوم التنفيذ وكان محدداً له العاشرة مساء وحرصت أن تكون (ورديتي) كحكمدار للحرس هي وردية المساء. في الثامنة مساء أغلق عبد الخالق كتبه ودخل إلى حجرته وأطفأ النور وأغلق الباب. جمعت الحرس وكان وجهي إلى باب غرفة عبد الخالق بينما ظهور الحرس إلى الغرفة وأصدرت لهم أمراً يعني باللغة العسكرية ان يجلس كل أفراد الحراسة إلى الأرض ويفككون سلاحهم قطعة قطعة ثم يعيدون تجميعه من جديد. تركتهم يواصلون هذه المهمة وذهبت من خلف ظهرهم إلى غرفة عبد الخالق وطرقت عليه طرقة مشفرة بيننا فإذا به قد تأهب للرحيل. قصدنا إلى السور المطل على النيل بعد ان أغلقنا باب الغرفة، ومن لباسي العسكري أخرجت المفتاح وفتحت الباب ولم أنس أن أستبدل ملابسي العسكرية بملابس مدنية وأن أترك سلاحي. خرجنا نحن الإثنان وسرنا شمالاً إلى أن أدركنا العربة بإشاراتها المتفق عليها والتي إنطلقت بنا دون أي حديث بين الراكبين فيها. أنزلوني في المحطة الوسطى الخرطوم حيث إستلمتني مجموعة أخرى من الرفاق ومضت العربة تتهادى بعبد الخالق في ليل الخرطوم الصاخب أيامها. كانت تلك آخر لحظة أبصره فيها حياً ولكني رأيته كمعتقل أسير- عبر التلفزيون- قبل إعدامه).

 

 

عقب عملية تهريب عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعي السوداني من معتقله داخل سلاح الذخيرة، تمهيداً لانقلاب الرائد هاشم العطا في يوليو 1971م، ردَّدت الإذاعات والصحف اسم العريف «عثمان محمد عبد القادر»؛ الرجل الذي نفَّذ عملية تهريب عبد الخالق، لحين اعتقاله في الثلاثين من يوليو من ذات العام، قبل أن يُزَجَّ به في السجن، ليختفي الرجل من مسرح الأحداث. عثرت (الخرطوم الجديدة) على العريف عثمان في قرية أم سنط في الجزيرة، لتقلب معه صفحات ذلك التاريخ.

 

نفَّذ عميلة تهريب عبد الخالق محـــجوب من سجنه..

عثمان عبد القادر: لو طُلِبَ منِّـــي تنفيذ العمليـــــة ثانيةً لفعلت..!!

 

< هل تنظر للماضي بعين الرضا أم الغضب؟

 

- ذكريات حبيبة وحزينة في آن، وأنا أنظر لهذا التاريخ بكثير من الفخر، ولست نادماً أبداً.

 

< ألتحقت بالحزب الشيوعي؛ من جندك؟

 

- التحقت العام 1967، وجندني عثمان الكودة.

 

< كيف كانت عملية التجنيد؟

 

- قبل انقلاب نميري كنا شباباً ديمقراطيين متحمسين، وأتى نميري وطرح برنامجاً بدا لنا مرضياً حينها ويحقق الطموحات، ودخلنا الحزب بصورة رسمية في العام 1969 بعد مايو.

 

< وقت قصير فصل بين الانتماء واختيارك القيام بأخطر عملية في تاريخ الحزب الشيوعي، تهريب عبد الخالق محجوب من سجنه في سلاح الذخيرة، ما أسباب حصولك على ثقة الحزب؟

 

- الحزب هو من قام بعملية تهريب عبد الخالق، وأنا قمت بالتنفيذ، وطلب الحزب من الفرع الذي كنت فيه زميلاً منضبطاً أعزباً، إذ أن العملية كانت في غاية الخطورة، وكانت هذه المواصفات المطلوبة متوفرة في شخصي، فتم اختياري.

 

< ألم تشعر بالتردد أو القلق لحظة مصارحتك بالمهمة، وعمرك يومئذ سبعة وعشرون عاماً؟

 

- عملية كهذه لا يستطيع المرء الإقدام عليها دون تفكير أو تردد، وكانت هناك أسباب ساعدتني على تنفيذ العملية دون كثير من التردد.

 

< كيف تم التخطيط للعملية؟

 

- عادة يجتمع فرع الحزب بأجندة ثابتة، لكن عملية عبد الخالق كانت استثنائية لا يمكن أن تناقش في اجتماع، لأن الضرورة اقتضت أن تحاط بالسرية والتأمين، وكان الكودة هو الصلة بين عبد الخالق والحزب، وبين الحزب وبيني، والمسئول من الجناح العسكري للحزب داخل القوات المسلحة عبد المجيد شكاك، وكان الاتصال يتم بين عبد الخالق والشكاك والكودة وبيني.

 

< من وضع التفاصيل الدقيقة العملية؟

 

- عرفت مؤخراً أن سيناريوهات أخرى كانت موجودة قبل أن يتم تبني الخيار الذي نفذ وهو جمع العساكر وتمكين عبد الخالق من الهروب، لكنني لا أعرف من خطط بالضبط.

 

< كيف تم تحديد توقيت ساعة الصفر، ومتى علمت بها؟

 

- في القوات المسلحة تستلم الوردية من السادسة صباحاً حتى السادسة مساء، والحكمدار يخبر عساكره بالتعليمات حول الحراسة، وكان الاتفاق مع الحزب أن تكون ساعة الصفر في تمام العاشرة مساء، ومن حقي كحكمدار وردية أن أجمع العساكر في الوقت الذي أختاره.

 

< التأمين النهائي للعملية، كيف كان؟

 

- لم يكن هناك شيء استثنائي، كان يجب علي أن أجمع العساكر وأمكنه من الهرب، ولم يكن عبد الخالق يعرفني ولم أكن كذلك، وفي يوم العملية طلب من العسكري مقابلة الحكمدار، وذهبت إليه فسألني هل العملية قائمة، فأكدت له أنها في الموعد المحدد، ثم أعطاني توجيهات محددة، كأن أطفيء النور وأسدل الستائر، وبالفعل فعلت وذهبت وجمعت العساكر.

 

< عبد الخالق هيأ مسرح العملية بأفعال متعددة، كأن يخرج في ساعة محددة ويرتدي زياً محدداً؟

 

- المعتقل في حاجة لكسر رتابة السجن، فقد كان يرتدي لباساً أفريقياً و(يشك)، ويتمشى حول المنطقة، كأنه ليس في سجن.

 

< ألم يكن ذلك مثار أسئلة، لماذا يرتدي معتقل هذا اللباس؟

 

- لم أسمع شيئاً كهذا، لكن يحتمل أن عبد الخالق وعثمان الكودة كانا يعرفان بالعملية، لكنني شخصياً خبرت السجن وأعرف أن السجين يحاول أن يكسر طقس السجن بتغيير الملابس وما إلى ذلك.

 

< هل صحيح أن عبد الخالق خلق صلات مع العساكر، وأنهم كانوا يحبون الحديث معه؟

 

- أي سياسي يجد نفسه في بيئة مماثلة سيحاول إيصال فكره لمن حوله، لكن ذلك يعتمد على طبيعة الحكمدار، وكانت هناك أوامر من الاستخبارات العسكرية معلقة على باب المعتقل، تمنع الحديث مع هذا المعتقل (عبد الخالق)، واستجاب العساكر، إذ كان الحكمدار يتصل بضابط الاستخبارات ليأتي ويرى ما يريده عبد الخالق.

 

< عندما دخلت عليه في الغرفة، هل شعرت بأنه كان خائفاً أو قلقاً أكثر مما يجب؟

 

- عبد الخالق سياسي متمرس، وكنت حديث عهد بالسياسة، ولم أكن أكثر تماسكاً منه لأُقيم إذا ما كان هو مرتبكاً أم لا.

 

< ماذا قال لك عندما دخلت عليه؟

 

- قال لي (المسألة دي مُصرين عليها الليلة).

 

< بماذا أجبته؟

 

- فهمت أنه يريد أن يعرف إذا ما كانت العملية قائمة أم لا، فقلت له نعم مصرون على التنفيذ.

 

< خرج عبد الخالق من معتقله إلي القصر الجمهوري، إلى أين ذهبت؟

 

- خرجنا من المعتقل وكان هناك سيارتان، الأولى فيها هاشم العطا والثانية فيها محجوب إبراهيم، وركبت أنا مع الأخير وعبد الخالق مع هاشم العطا ولم أعرف أين ذهبا، ومضي بي محجوب إبراهيم إلى نمرة (2)، وأخبرني في الطريق أنهم سينقلونني إلى مكان ثم يتصلوا بي بعد أيام لأعود إلى الخرطوم، وفي نمرة (2) وجدنا عربة لاندروفر فيها شخص، وطلب مني محجوب أن أركب مع ذلك الشخص، وفي الطريق عرفت أننا نمضي إلى الدويم.

 

< من كان ذلك الشخص؟

 

- حسن سيد قطان، أحد كوادر الحزب وقريب المرحوم برير الأنصاري، وصلنا الدويم بعد منتصف الليل، وفي اليوم التالي سمعنا الخبر بإذاعة BBC: «تمكن سكرتير عام الحزب الشيوعي السوداني عبد الخالق محجوب من الهروب بمساعدة العريف عثمان محمد عبد القادر..»، فأندهش قطان للخبر وأندهشت أنا، ويبدو أنهم لم يخبروه بطبيعة العملية التي نفذتها، وسألني: هل أنت عثمان عبد القادر، فقلت نعم، فقال لي أن الزملاء أخبروه بأنني نقابي تورط في بعض المشاكل. وبدا عليه الانزعاج.

 

< كيف ترجم انزعاجه؟

 

- اقترح الاستعانة بفرع الحزب في الدويم للمساعدة في التأمين، وأمنت على ذلك، وذهب وأستدعى عمر الخير المسئول السياسي فرع الدويم، وجلسنا نتفاكر في عملية التأمين، وأقترحنا أن يشارك كل أعضاء فرع الدويم في التأمين، دون أن يعرفوا بالضرورة هويتي.

 

< هذه السرية، هل كان مردها انقسام الشيوعيين في مايو، وتسريب معلومات لنظام نميري؟

 

- كل الأنظمة التي تعاقبت على الحكم منذ الاستقلال، كان أول ما فعلته هو البحث عن كوادر الحزب الشيوعي لتحطيمهم، ما جعل الإمعان في التأمين جزءاً من تكوين الحزب الشيوعي.

 

< اجتمعت و عمر الخير، وأتفقتم على أن تنتقل من بيت إلى آخر دون أن يعرف أصحاب البيوت هويتك خاصة وأن الصحف كانت تتداول الخبر؟

 

- كان الخبر مثار أحاديث الناس حينها، وكان الناس في البيوت التي تنقلت فيها يحدثوني عن العملية، ويقولون أن النظام اغتال عبد الخالق وقام بفبركة قصة هروبه، ويقول آخرون أنه وأنا تمكنا من الخروج إلى الاتحاد السوفيتي، وكنت أخوض معهم في مثل تلك الأحاديث.

 

< كانت صورك وعبد الخالق تملأ الصحف ومحطات القطارات؟

 

- نعم، والنظام اعتقد أننا سنخرج من الجنينة.

 

< لماذا من الجنينة تحديداً؟

 

- ربما قدر النظام أنها أسهل منطقة لخروجنا.

 

< متى أنتهى مسلسل الإختباء؟

 

- قبل انقلاب هاشم العطا أتت تعليمات لحسن قطان بأن أمضي للخرطوم، وعندما وصلت لجبل أولياء سمعنا في الإذاعة ترقبوا بعد قليل بيان من الرائد هاشم العطا.

 

< لم تكونا تعرفان شيئاً عن الإنقلاب؟

 

- لم نكن نعرف، ولم يكن هناك ما يحتم أن نعرف، فلم يكن لنا دور في الإنقلاب.

 

< أين ذهبتم بعد ذلك؟

 

- نزلنا في منزل برير الأنصاري شقيق حامد الأنصاري زوج القيادية سعاد إبراهيم أحمد، وفي يوم 21 يوليو أخبرني حسن قطان بأن عبد الخالق وهاشم العطا يريدون رؤيتي، وكانوا في بيت حامد في نمرة 2 في اجتماع لأعضاء اللجنة المركزية مع العسكريين، وقابلت هاشم العطا ومحجوب إبراهيم، ودخلت فوجدت عبد الخالق وسلم علي بحرارة.

 

< ماذا قال لك؟

 

- عاتب الرفاق لأن صحتي تدهورت، وقال (إنتو الزول دا ما قاعدين تأكلوه ولا شنو)، فقد كنت موضع حفاوة لدي الزملاء، وسألني عبد الخالق عما في ذهني، فقلت سأعود لمصنع الذخيرة وأشارك من هناك في تأمين الحركة، فقال لي كيف ترجع، لقد أكسبتك العملية أعداء أشد ضراوة مما تتصور.

 

< ماذا كان يقصد بذلك؟

 

- العملية كانت ضربة قاصمة للنظام، وكان يتوقع أن ينتقم مني أنصاره، وقال لن تعود للعمل وسننظر في سفرك للخارج، فقلت لا مانع خاصة وأنني أقمت في ألمانيا عامين، فقال لا ستمضي إلى الاتحاد السوفيتي، ونادى قطان، وقال له بمجرد استقرار الأمور استخرجوا لهذا الرجل جوازاً، ليسافر، بعدها عدت وحسن قطان إلى منزل برير الأنصاري، وفي 22 يوليو، أيقظتني زوجة برير وأخبرتني بوجود ضرب في القيادة العامة، فأخبرتها بأنني سأخرج لاستطلع الحقيقة، فوجدت مظاهرات تهتف عائد عائد يا نميري، وسألت فعرفت أنه عاد للسلطة، وكان خبراً ذا وقع رهيب، فذهبت إلى حديقة القرشي ووجدت كنبة فجلست لأستجمع نفسي.

 

< فيم كنت تفكر تلك اللحظة؟

 

- مصير أسود إذا تم القبض علي، فكرت أن أنجو،وعدت لبيت الأنصاري وطرقت الباب، لكن زوجته لم تكن موجودة فقفزت فوق السور وأخذت حقيبة ملابسي ومضيت إلى بعض أقربائي في نمرة 3، وكان البيت محاصراً بالأمن، وعرض على أحد الجيران وأن أمضي معه إلى منزله.

 

< لم يكن له علاقة بالحزب؟

 

- لا، لم يكن شيوعياً، وذهبت معه إلى منزله، وجلس في الخارج، وقال لأخواته أنه إذا أحس بخطر سيقوم بطرق الباب بطريقة معينة لأذهب وأهرب من الناحية الأخرى، وكان العساكر يأتون ويفتشون البيوت لكن لحسن الحظ لم يأتوا إلى البيت الذي كنت فيه، وفي اليوم التالي دعوت إخوتي وقررنا أن أخرج من الخرطوم بأي ثمن، وطلبت منهم أن يذهبوا للحزام الأخضر ليقفوا على الأوضاع، فذهبوا ووجدوا الجيش، فقلت لهم ربما يعرفني العساكر، وفي اليوم التالي ذهبوا للحزام فوجدوا الجيش انسحب، فقلت يمكن أن أذهب لأن الشرطة ربما كانت لا تعرفني، فأخبروني أن أحد أبناء منطقتنا هو جلي موسى عرض إخراجك من الخرطوم إذا نقلناك إلى خارج الحزام الأخضر لأنه لا يستطيع اصطحابك من داخلها، فطلبت أن ينتظرني هناك، وأن يحضروا لي تاكسي ويقولوا أن سيارتي متعطلة بالحزام الأخضر وأرغب في إصلاحها ومعي ميكانيكي، وبالفعل ذهبنا وأستوقفنا العساكر في الطريق وفتشونا، وقلنا لهم أن لدي سيارة أريد إصلاحها، فسمحوا بالمرور، ووجدنا جلي ينتظرنا، وذهبت معه إلى أم سنط وسلمت على أهلي، وكنت قد عزمت على الخروج من ناحية الشرق، لكن أبي اقترح أن أخرج من الجنينة حيث توجد أختي، وكان أفراد الأمن قد قاموا بتحريات وعرفوا أن أختي في الجنينة فمضوا إلى هناك وشددوا الحراسة، لكنني حينها وافقت على الذهاب للجنينة، وركبت القطار، وكنت أصادق الشرطة، على أعتبار أنهم سيقولون أن هذا الشخص لو كان مطلوباً القبض عليه لما أتي إلينا، وبالفعل وصلت الجنينة دون مشكلة.

 

< حدثت لك قصة طريفة في القطار؟

 

- جلست وسط نساء، وانقطع التيار الكهربائي في القطار فمضيت إلى قمرة مجاورة ووجدت أشخاصاً فجلست جوار حقائبهم، فنظروا إلى شذراً وطلبوا مني أن أذهب فرفضت، وقلت لهم أن لدي تذكرة، وهل تظنون أني لص، فقالوا نعم وإنهم سيطلبون البوليس، فخفت وقلت حسناً سأذهب، وجعلهم ردي يعتقدون أني فعلاً لص فأخذوا يصيحون (ياهو الحرامي ياهو)...وعادت الكهرباء فعدت لقمرتي ورفعت حقيبتي وقلت لهم هل هذه حقيبة أحدكم، إنها لي وقد كنت جالساً هنا وغادرت بسبب انقطاع الكهرباء لأخرج من بين النساء، فتفهموا موقفي وأعتذروا، ووصلنا الجنينة، ووجدت في المدخل عسكري، ولم تكن هناك طريقة لأتفاداه، فسرت نحوه مباشرة وقلت له إني أريد بيت حاج الفضل (نسيبنا) فقال لي حسناً ونهض وسار معي، وساورني شك وقلت أنه يريد أن يعتقلني، لكنه رفع يده وأشار قائلاً من هنا بيت الفضل، وكنت حذراً في ذهابي لبيت الفضل، وكان شقيقي علي اصطحب شقيقتي من الجنينة إلى بيتنا، فوجدت خارج البيت طفلة فطلبت منها أن تنادى علياً، فذهبت ونادته، وكان أفراد الأمن قد قبضوا عليه عدة أيام فأتى معه من كانوا بالداخل لأنهم ظنوا أن الأمن يريد إلقاء القبض عليه ثانية، وما أن رآني حتى صاح عثمان، فعرف الشبان أنني العريف عثمان، وانتشر الخبر بسرعة رغم أني كنت أريد التكتم عليه، وجلست مع الفضل وشقيقي واخبرتهم أني أتيت ليساعدوني على الهرب، لكنهم كانوا مضطربين وقالوا أنهم لن يستطيعوا فعل ذلك، قلت لهم إني سأسلم نفسي.

 

< قررت أن تسلم نفسك أم أقنعوك هم بذلك؟

 

- لا، لقد كانوا منزعجين، وقال لي الفضل أن أباك أرسلك لنا، ولا يمكن أن نسلمك لنميري يقتلك، فقلت لهم طلقة بين أهلي خير من على الحدود، وقررت أن أسلم نفسي فقالوا لي نذهب إلى الشرطة فرفضت وذهبت إلى الجيش، وكان قائد حامية الجنينة العقيد أرباب، ووجدته في منزله فعرفته بنفسي وجئت لأسلم نفسي، ولدهشتي قال الرجل أن من يسلم نفسه لوحده ويعترف بالخطأ يجب إكرامه، وطلب مني توديع من معي ثم ركبنا سيارته حتى الحامية فجمع الجنود والضباط، وقال لهم هذا زميلكم العريف فلان وأتانا وسلم نفسه، ومن يأتينا لوحده نكرمه،وليست لنا معه مشكلة لكن مشكلته في الخرطوم، لذلك سنكرمه، وقادني إلى مكتبه الخاص، وأحضر لي صحفاً ومجلات، وحرساً خاصاً بالخارج، وأندهشت حينها من موقفه، لكنني عرفت لاحقاً أنه معارض للنظام لأنهم ألقوا القبض عليه لاحقاً في انقلاب حسن حسين وحكم عليه بالسجن خمس سنوات، وسجن في بورتسودان وكنت أنا في سواكن فأرسل لي رسالة من هناك.

 

< يقال أن وزير الدفاع خالد حسن عباس إلتقاك عقب نقلك للخرطوم، ماذا قال لك؟

 

- عندما وصلنا للخرطوم أتي ضابطين بعربة هنتبر أوقفوها لصق سلم الطائرة، وقالوا إنهم سيأخذوني إلى خالد حسن عباس، وأنه أذاع بيان قال فيه أن ضباط الصف والجنود خدعهم الشيوعيون وسيعيدهم للقوات المسلحة، وأنهم فقط يريدون معلومات معينة خاصة وأن هناك كمية كبيرة من السلاح، وعندما وصلنا القيادة العامة وجدت حشداً كبيراً من ضباط الصف والجنود ينتظرون مجيء العريف، وهجم العدد الكبير من الجنود والضباط على العربة، رغم أن معي ضابطين، وطاردوا العربة حتى وقفنا أمام مكتب، فإذا داخله كل أعضاء مجلس قيادة الثورة يتوسطهم جعفر نميري.

 

< من كان موجوداً في الغرفة، وهل دخل الجنود الذين كانوا خلفكم إلى المكتب؟

 

- كان هناك كل أعضاء مجلس قيادة الثورة، بما فيهم وزير الثقافة والإعلام عمر الحاج موسى ومحمد عبد الحليم قائد المدرعات واللواء الباقر رئيس هيئة الأركان، والرائد اسحق إبراهيم عمر زميلنا لفي مصنع الذخيرة، وكان مكتب نميري طويلاً، فطلب نميري إدخالي وطلب دخول العساكر الذين كانوا خلفي، وقفت وورائي كل العساكر وأمامي مجلس قيادة الثورة وجعفر نميري.

 

< أكان القاء مربكاً بالنسبة لك؟

 

- نعم، توقعت أن ألتقي بوزير الدفاع وليس بجيش كامل والحكومة كلها، وأخذ نميري يحقق معي، وكنت أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن أواجه نميري واخبره بأني عضو منظم، وأني أخرجت عبد الخالق، وأني أعارض نظامه، وأن أمضي من هناك للسجن ومنه إلى المشنقة، والخيار الثاني أن أهادن بدون انكسار، وأحاول عدم توريط آخرين، فسألني لماذا أخرجت سكرتير حزبك من السجن، فقلت له ليس لدي حزب، فقال لي لماذا أخرجته، فقلت له لدي أسباب موضوعية، عندما أتت مايو كنا متحمسين لشعاراتها ودافعنا عنها دفاعاً مستميتاً، وكنا أول من تم تكريمه وتقليده أنواط انتاج عندما أرتفعنا بالانتاج من عشرة آلاف طلقة إلى مائة ألف، وحضر مجلس قيادة الثورة لتكريمنا، ثم حدثت انحرافات وشللية وترقيات استثنائية وقاد ذلك لانخفاض الإنتاج، وعقد مدير المصنع العقيد أورتشي جمعية عمومية ليعرف اسباب هبوط الانتاج، وتحدثت فيها وقلت أن الترقيات الاستثنائية والمحسوبية في المصنع هي سبب تدني الانتاجية، وقلت له أن أورتشي أساء لي عقب قولي ذلك وقال أني معيق ومتورم وطالب زملائي أن يطعنوا هذا التورم كي لا يعيق مسيرة الثورة، وأنهي الاجتماع ومضى لمكتبه.

 

< مثلت إذاً دور الساذج الذي خدعه الشيوعيون وانطلي ذلك على الرئيس؟

 

- لم أمثل دور الساذج لكن المبررات كانت معقولة، الغريب أن معظم أعضاء قيادة الثورة وعمر حاج موسى وزير الإعلام الذي كان يمسك ورقة ويكتب كانوا حاضرين لكن لم يسألني أي واحد منهم سؤالاً، وسألني نميري لماذا جمعت الديدبانية، فاندهشت لأن الإجابة واضحة وتريثت قليلاً قبل أن اقول له جمعتهم ليهرب عبد الخالق، فقال لي مفتاح الباب الخلفي من أحضره، فقلت له لا أعرف، فأمر نميري باصطحابي والتحقيق معي، وخرج معي اللواء الباقر وأوصى الضباط بعدم اصطحابي إلى الشجرة التي كانت تغلي بفعل أحداث الانقلاب، وأمرهم بإبقائي في القيادة، وخرج معي أيضاً الرائد إسحق إبراهيم عمر وقال لي ما عندك مشكلة، وأخبرني أن القصة التي قلتها وافقت التقرير الذي كتبه رئيس جهاز الإستخبارات في المصنع.

 

< حولت بعدها لمحكمة برئاسة الشاعر المعروف الحسين الحسن، كيف كانت إجراءاتها؟

 

- كانت محكمة صورية، ونميري القاضي الفعلي، يحكم القاضي بخمس سنوات ويرفع الحكم لنميري، فيرده بأن الحكم مخفف، فيحكم القاضي بعشر سنين فيردها، فيزيدها عشرين فإن ردها فليس أمام القاضي سوى أن يستقيل أو يحكم بالإعدام.

 

< وكيف عرفت ذلك، ما دليلك؟

 

- أخبرني المرحوم الحسين الحسن بنفسه، دامت المحكمة ربع ساعة فقط وخرجنا أنا وقطان بعشرين عاماً لكل منا، وبعد ذلك بسنوات طويلة كنت اقود تاكسي في مدني، وركب معي الحسين الحسن فعرفته ولم يعرفني، فقلت له في الطريق إلى المكان الذي طلب أن أوصله إليه، فقلت له أني أعرفه، فقال لي يخلق من الشبه أربعين، فقلت له أنت الأستاذ الحسين الحسن، وأنا العريف عثمان محمد عبد القادر وأنت حكمت علينا بعشرين سنة سجن، فرجع في مقعده إلى الوراء، وقال لي يا إبني لم أتصور أنني يمكن أن أقابلك لأحكي لك، وقال لي أن أوراقي بقيت في درج مكتبه أسبوعاً وأن رئيس القضاء العسكري حينها أحمد محمد الحسن مصراً على أن أحكم عليك بعشرين عاماً كي يقبل نميري االحكم، وأصررت أني سأستقيل لو أرادوا أن يحكموا عليك بالإعدام، فقبل نميري.

 

< لم تكمل العشرين سنة في السجن، وأفرج عنك عقب المصالحة الوطنية 1977م، لو عدنا كل تلك السنوات وطلبنا أن تعيد تنفيذ العملية، هل تفعل؟

 

- نعم، لأنني مكلف بأن أطلق سراح سكرتير الحزب الشيوعي الذي انتمي إليه.

 

< هل لا زلت شيوعياً؟

 

- نعم أنا عضو في الحزب، لكنني لست ناشطاً، فلدي مسئوليات شخصية.

 

< هل تشعر أن الحزب الشيوعي أهملك؟

 

- لا، الضربة كانت قاضية على الحزب عقب انقلاب هاشم العطا، ولم يكن الإهمال مقصوداً.